أجريتُ اختبار الحمض النووي لحفيدتَيّ لأن شيئًا داخلي كان ېصرخ بأن ابني ليس والدهما الحقيقي. ظننتُ أنني سأفضح زوجة ابني فقط لكن النتيجة قادتني إلى رجل أقرب بكثير مما تخيلت. وصل الظرف عصر يوم ثلاثاء، بينما كنتُ أقلب فطائر البيدا الساخنة على الصاج في مطعمي الصغير بإسطنبول.
رفعتُ عيني نحو صورة ابني المعلقة قرب آلة الشاي وعندما قرأتُ السطر الأول، شعرتُ أن سقف البيت العثماني يكاد يسقط فوق رأسي. اسمي خديجة يلماظ. منذ أكثر من ثلاثين عامًا، وأنا أبيع الطعام قرب محطة العبارات في منطقة أمينونو بإسطنبول.
سميت وبيدا في الصباح. شوربة العدس وقت الظهيرة. وكباب حار مساء الجمعة بعد صلاة العشاء. كنتُ أعمل من الفجر حتى منتصف الليلكل ذلك من أجل ابني الوحيد إمري. ماټ والده عندما كان في السادسة. ومنذ ذلك اليوم، أصبحتُ الأم والأب والمعلمة والممرضة والحائط الذي يستند إليه.
كبر إمري ليصبح رجلًا محترمًا. هادئًايصلي الجمعة دائمًاولا يخرج من البيت إلا بعد أن يقبّل يدي ويضعها على جبينه كما يفعل الأبناء الأتراك مع أمهاتهم. لهذا السبب، عندما دخلت إليف حياته، استقبلتها وكأنها ابنتي. قلت لها يوم زفافهماهذا البيت بيتك يا ابنتي. وكنت أعني ذلك حقًا.
أعطيتهما الطابق العلوي من المنزل. وبعتُ أساوري الذهبية التي احتفظت بها منذ زفافي لأساعدهما في شراء سيارة عائلية. وعندما وُلدت الطفلتانبكيتُ كما لم أبكِ منذ ۏفاة زوجي. لارا أولًاثم إيلا. حفيدتاي. قطعتان صغيرتان من قلبي. لكن مع مرور السنواتبدأ شيء ما يزعجني. لم تكن أي منهما تشبه إمري.
لا عيناه السوداوان. ولا ابتسامته الهادئة. ولا حتى طريقته في الضحك عندما يتوتر. كانت إليف تقول دائمًاأخذتا ملامح عائلة أمي. فأصمت. لكن قلب الأم لا يخطئ بسهولة. ثم بدأت التفاصيل الصغيرة. إليف لم تكن تسمح لإمري بأخذ الطفلتين إلى الطبيب وحده.
وكان وجهها يتغير كلما قال أحد الأقارب في تجمعات العائلةغريب لا واحدة منهما تشبه والدها. حتى ملفات المستشفىكانت تخفيها داخل خزانة مقفلة. لكن الشيء الذي هزّني حقًاكان ما قالته إيلا ذات ليلة. كان إمري يحملها بين ذراعيه بعد العشاء، يطعمها قطعة صغيرة من الكنافة، فضحكت ثم سألت ببراءةمتى سيزورنا أبي الآخر؟
تجمدتُ في مكاني. في المرة الأولىأقنعت نفسي أنها لعبة أطفال. وفي الثانيةشعرتُ ببرودة غريبة في ظهري. أما الثالثةفقد وضعت إليف يدها بسرعة فوق فم الصغيرة، ثم نظرت إليّ وكأنني خطړ يجب التخلص منه. حينهاعرفتُ أن هناك شيئًا قذرًا يُخفى داخل هذا البيت.
لكنني لم أتكلم.فقطانتظرت. وفي صباح يوم ممطر، بينما كانت إليف توصل الطفلتين إلى الروضة، دخلتُ غرفة إمري. جمعتُ شعيرات من فرشاة شعره. وأخذتُ كوب عصير صغير تركته الطفلتان على الطاولة. ثم التقطتُ عدة خصلات شعر من وسادتيهما.
كانت يداي ترتجفان بشدةوكأنني أسرق. وربما كنتُ أفعل فعلًا. كنت أسرق الحقيقة. أرسلتُ كل شيء إلى مختبر خاص في أنقرة. أسبوعان كاملانلم أذق فيهما النوم. كنتُ أراقب إمري كل صباح وهو يربط حذاء لارا قبل المدرسة، ويقبّل إيلا فوق رأسها، بينما شيء داخلي ينكسر ببطء. أما إليففكانت تتجنب
النظر في عيني تمامًا. ثم جاء الثلاثاء. كنتُ أعد صلصة الطماطم في المطبخ، ورائحة الزبدة والثوم تملأ المكان، حين طرق ساعي البريد الباب. ناولني ظرفًا أبيض صغيرًا. بلا شعار. بلا رحمة. أخفيته داخل مئزريوصعدتُ إلى غرفتي. جلستُ على السرير. أمسكتُ مسبحتي. وتمتمتُ ببعض الآيات كي تهدأ يداي.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.